
تنطلق هذه الدراسة من فرضية علمية مكينة في البحث العلمي وهي أن البحث في موضوع ما ، مهما تكرر، لن يحيط بكل القضايا التي يطرحها، وأن كل بحث تظل نتائجه جزئية ونسبية لا تقطع الطريق أمام التجديد ومعاودة النظر في الموضوع نفسه من زوايا مغايرة. وهذا الواقع ينطبق على الغزل العذري الذي لم ينل حظه كاملا من الدراسة كشعر / نص، ولم يلتفت إلى قضاياه النقدية والبلاغية بالقدر نفسه الذي تم به الاهتمام بالجانب الإخباري الذي قاد في النهاية إلى مجموعة من الدراسات التاريخية. بينما وقعت بعض الدراسات النادرة جدا، التي اهتمت بالتحليل النقي، تحت جاذبية المنهج حتى صار شعر هؤلاء الشعراء، في نظر بعض الباحثين، تعبيرا عن صغلكة” وتمردا ناتجين عن حرمان الشعراء من متعة مستحقة في ظل حكم سياسي / أموي مستبد، وصار عند البعض الآخر هذيان لمرضى يحتاجون معالجة نفسية حتى يعودوا أسوياء. وهي المهمة التي انتدب بعض الباحثين أنفسهم لأجلها. وأمام هذا الانجرار خلف الدراسة الخارجية للنص، المتصلة بالشاعر والسياق الخارجي كان الفراغ مهولا في الخزانة العربية من حيث المؤلفات التي تناولت هذا الغزل بمنطق التحليل الذي لا يجافي النص مجافاة كاملة ولا يوغل في الانطباع.
إننا بكتابنا هذا، وإذ تنبه على النقائص التي اغتورت الدراسات السابقة للغزل العذري على ندرتها ، لا ندعي أننا سنتجاوزها بالمطلق وإنما سنحاول محاورتها والاستفادة منها بالقدر الذي يخدم توجهنا، فالمسافة الفاصلة بين دراستنا وغيرها تختزل في المقام الذي احتله النص من اهتمام الباحثين، وفي زاوية نظرنا إليه “زاوية بلاغية. شعرية. كما أننا لا ندعي أن هذا الكتاب يحيط بكل القضايا المرتبطة بظاهرة الغزل العذري، فالشعر يطرح من الإشكالات ما لا تحيط به دراسة واحدة . وبذلك فإن كتابنا يتصدى للأسئلة الموجبة الأجوبة مستدل عليها من خلال فرك النصوص وتحليلها دون إقصاء أو تغييب السياق لأننا نؤمن بتكامل القصيد والخبر واقتران أحدهما بالآخر اقتران اضطرار لا اختيار. وذلك وفق مرجعية عامية مخصنة بمنهج واضح وبجهاز مفاهيمي مضبوط. وكل هذا قد يكون أكبر من طاقة صاحب هذه الدراسة.
