دأب الدارسون للأدب العربي على الحديث عن الغزل العربي القديم، بما لا يتعدى الإمعان في الحكايات وسير الشعراء والمحبوبات، وحين قدر له أن يكون موضوع بعض الدراسات النادرة، تعرض لكثير من التعسف الناتج أساسا عن إعلاء المنهج مقابل النص. وهو ما لم يمكن من التعرف على أهم قضاياه.
لقد مكنت رحلتي الطويلة مع الشعر القديم، لا سيما الغزل، من أن أقف على مجموعة من القضايا التي لم تنل ما تستحق من المدارسة، أو لم يتم الالتفات إليها أصلا، كالنص تماما. ومن هذه القضايا، التناقض الكبير في حديث الناس عن أهمية الغزل في المنظومة الشعرية العربية القديمة من جهة، وتهميشهم له من جهة أخرى، دون أسباب واضحة. وقد بين الوقوف عند هذه القضية أن التذبذب في الرأي لا يتعلق بالغزل في حد ذاته، وإنما يتعلق بمرجعيات الدارسين وخلفياتهم المعرفية والإيديولوجية والدينية. وهذا وجه من أوجه الإساءة للغزل مرة ثانية.
أضف إلى ذلك قضايا أخرى، تتصل بالتمييز بين الغزل “العذري” والعزل “الفاحش”، فكثيرا ما أقر الدارسون أن جسد المرأة أو عاطفة الشاعر هي الحد الفاصل بينهما، والواقع أن الرهان على هذين العنصرين غير كاف للتمييز بين الغزلين، بل إنه مضلل جدا.
وعلى المنوال نفسه كان النظر في قضية أخرى، طالما تحدث عنها الناس في سياق كلامهم عن الشعر العربي القديم، وهي “الغنائية”، التي انهم بها هذا الشعر دون دليل، فقط لاكتها الألسن واسْتَعذبتها الأنفس، فصار كل الشعر العربي القديم غنائيا، وهو ما لا يقبله عاقل حين يتأمل قليلا في أغراض هذا الشعر، وكيف أنها مختلفة عن بعضها البعض اختلافا كبيرا. فكيف يجوز إشراك المختلف في حكم واحد، تحت مفهوم واحد؟
ولأن النص مصدر كل القضايا التي هي لاحقة عليه، فقد كان له مقام الصدر في هذا الكتاب أيضا، لاسيما في القسم الثاني الذي خصص لقضية كبرى في النقد الأدبي والبلاغة العربيين ( قديمهما وحديثهما)، وهي التناص أو السرقات، أو رحلة المعاني بألفاظها أو بدونها، أو ما شئت من الأسماء. وقد أبان تحليل النصوص الإبداعية عن طبيعة التعالقات التي تحكم نصوص الغزل العربي، سواء ضمن دائرته الخاصة (غزل غزل)، أو ضمن دائرة أوسع ( غزل / أشعار مختلفة – نص قرآني – نثر عربي). وهذه التعالقات يمكن تأطيرها ضمن مفهوم واضح وشامل، هو: ” المعنى الثقافي”.
إن المسار الطويل الذي قطعته رحلة المعنى واللفظ الدال عليه زمانيا ومكانيا، بقدر ما أبرز شبه توحد في الذوق الجمالي إلا من استثناءات قليلة)، أظهر، أيضا، حجم الحاجة الدائمة إلى إخضاع الخصائص الفنية المجسدة لهذا الجمال المؤسس للذوق، للتحليل والدرس.

قضايا نقدية وبلاغية في الغزل العذري
