هذا الكتاب خلاصة نظر عميق وطويل في النصوص الإبداعية ضمن مشروع يهتم بتحليل الخطاب الشعري العربي القديم والحديث، ويتناول بالتحديد نقد الشعر بين تحولات الشعرية وتعدد مداخل القراءة؛ أي إنه سينظر إلى حدود التداخل بين البلاغة والمناهج وتحليل الخطاب بناء على ما تراكم من معرفة بهذه المجالات، وعلى تجربة ومعرفة أيضا بأدبيات تحليل النصوص في ظل تداخل المفاهيم الممثلة المجالات سعى البعض إلى أن تكون معزولة أو مستقلة، عوض النظر إليها متكاملة إلى حد التماهي أحيانا.
وقد بدأ هذا المشروع بعشق النصوص الشعرية العربية القديمة، ثم الحديثة في مرحلة متأخرة قراءة وحفظاً وتأملاً في زمن بعيد جدا يعود إلى المراحل الأولى من التعليم دون توجيه من مرجعية معينة، وهو ما يعني أن الإحساس بلذة القراءة ومتعة تأثير هذه الأشعار في النفس هو ما كان يحركني، قبل أن أدرك في مراحل لاحقة أن الإحساس وحده غير كاف لتفاعل واع مع هذه النصوص؛ إذ إنه يَقْصُرُ عن تفسير الظواهر وإدراك بواعث التفاعل معها ما لم يكن مسنودا بمعرفة.
إن طريق المعرفة الخاصة بقراءة الشعر والتفاعل معه يتجاوز لحظة الدهشة والانبهار بـ “جمالية” غير مسوغة في كثير من الأحيان، ويقتضي ضبط حدود هذه المعرفة ومنطلقاتها من جهة، واستشراف آفاقها وامتداداتها من جهة أخرى.
إن بداية هذه المعرفة المرجوة ونهايتها أيضا تتحدد من خلال محاولة فهم العلاقة بين النص الشعري الذي هو تركيبة لغوية وغير لغوية متشعبة ومتداخلة، بعضها يوجه بعضا ويتحكم فيه، ومن خلال الوعي بآليات القراءة التي يمكن تسميتها بالمنهج، مع ما يكتنف مسألة المنهج من تعقيدات أيضا.
ها هنا إذن تكمن المعرفة فمَن عَلِمَ حدود الشعر وصنعته، وطبيعة المناهج وبناءها وخلفياتها، وأمسك بحدود التداخل والتخارج بين النصوص والمناهج استطاع تفسير مكامن الجمالية في النصوص”.
إن منطلقات هذا الاجتهاد بسيطة جدا، تتمثل في العشق، والعاشق مخلص حتى وإن كان العشق متحولا بتحول المعشوق وفي الإيمان بأن النص الإبداعي أطول حياة من نقده، وأن كل القراءات المتعددة التي يمكن أن تتناوله لا تغلق الباب أمام غيرها؛ لأنها تظل قاصرة على الإحاطة بكل التفاصيل، خصوصا إذا كان هذا النص بقيمة الإبداع الشعري العربي القديم، كما تتمثل في كون كل قراءة جديدة للشعر العربي تقتضي التحلل من الأحكام المسبقة والانعتاق من جاذبية النتائج المعلنة من دراسات سابقة. وأن المطلوب منها إبراز جديد لم تتوصل إليه مختلف الدراسات أو تصويب رؤية معينة.
ولعل ذلك كامن في نظرنا في إنزال البلاغة المنزلة التي تليق بها، وفتحها على آفاق أخرى أكثر شمولية مثل ” تحليل الخطاب” و”نظرية التلقي أو الاستجابة وغيرها، ومعرفة حدود علاقة هذه البلاغة بالنصوص وآليات قراءتها، باعتبارها عنصرا إنتاجيا من جهة، وتفسيريا من جهة ثانية. وهو ما يفتح الباب أمام القول إن دفع الاجتهاد في هذا الذي نخوض فيه إلى الصواب مأمول في الوعي بخصوصية النص القائم على المرونة والتنوع في شكله ومضمونه، وفي محاولة تهذيب المناهج لتصير مداخل قابلة للتكييف بحسب المدخول إليه النصوص وبذلك نتجاوز الإكراه والإطلاق أيضا: إكراه النص على تقويله ما لا سند له إلا ما ترسخ في مخيلة الناقد المنتصر لسلطة المنهج، وترك النص سائبا دون رسم حدوده.

البلاغة وفعالية التجاوز في إبداع الشعر ونقده
